باختصار. نادراً ما ينقص الاستراتيجياتِ الوطنية في الخليج الطموحُ أو التمويلُ أو الرعايةُ السياسية. فهي تتعثر في المسافة الفاصلة بين وثيقة الاستراتيجية والوزارات والهيئات والشركات المكلّفة بتنفيذها. وسدّ هذه الفجوة مسألة تصميم: أولويات أقل، ومالك واحد مساءَل عن كل نتيجة، وإيقاع منتظم للمراجعة، وتنسيق مقصود بين الاختصاصات، وقدرات تحلّ المشكلات لا تكتفي برصدها.
الاستراتيجيات الوطنية في الخليج من أكثر البرامج الحكومية طموحاً في العالم. فرؤية السعودية 2030، ورؤية قطر الوطنية 2030 واستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، ورؤية البحرين الاقتصادية 2030، ورؤية «نحن الإمارات 2031»، ورؤية الكويت 2035، ورؤية عُمان 2040، تضع كلٌّ منها أهدافاً بعيدة المدى تمتد عبر الحكومة بأكملها وجزء كبير من الاقتصاد. ورؤيتنا واضحة: حين تتباطأ هذه الاستراتيجيات، فنادراً ما يكون السبب في الرؤية ذاتها، بل في منظومة الإنجاز التي تقوم عليها، أي في الإجراءات والأدوار والعلاقات التي تحوّل النتيجة الوطنية إلى قرارات تُتخذ كل أسبوع داخل عشرات الجهات. وقلّما تُصمَّم هذه المنظومة بالعناية التي تُصمَّم بها الاستراتيجية، وهذا ما ينبغي أن يتغير.
لماذا تتعثر الاستراتيجيات الوطنية بعد إطلاقها؟
تتعثر لأن الاستراتيجية تُصمَّم في المركز، بينما يجري التنفيذ في جهات لكلٍّ منها ميزانيتها واختصاصها وجدولها الزمني.
عند الإطلاق، تكون الاستراتيجية في أعلى درجات الوضوح والاهتمام. وبعد عامين أو ثلاثة، تجد نفسها في منافسة مع دورات الميزانية، وتغيّر القيادات، وأولويات وطنية مستجدة، والمتطلبات اليومية لكل جهة معنية. فالمستهدفات التي كانت مشتركة في المركز تصبح عملياً مسؤولية الجميع، ومن ثمّ لا يتحمّلها أحد بعينه. تتكاثر التقارير، وتتباطأ القرارات.
وليست هذه مشكلة خليجية بالضرورة؛ بل هي المشكلة المحورية للإدارة العامة في كل مكان. أما ما يميّز الخليج فهو حجم الطموح ووتيرته، وهذا ما يجعل منظومة الإنجاز أكثر أهمية لا أقل.
كم أولوية تستطيع الحكومة إنجازها في آن واحد؟
أقل مما تعلنه عادة. والانضباط يكمن في الفصل بين عدد محدود من النتائج الوطنية التي تتابعها القيادة بنفسها، والمحفظة الأكبر بكثير من المبادرات التي تخدم تلك النتائج.
وتقدّم المملكة العربية السعودية مثالاً على ذلك على نطاق واسع. إذ يسجّل التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2024 وجود 1,502 مبادرة نشطة، ويفيد بأن 93% من مؤشرات أداء برامج تحقيق الرؤية والاستراتيجيات الوطنية قد تحققت بالكامل أو تسير وفق المخطط، وأن 85% من المبادرات أُنجزت أو تتقدم وفق المخطط. والدرس للحكومات الأخرى لا يكمن في الأرقام بحد ذاتها بقدر ما يكمن في وجود منظومة قادرة على إنتاجها بانتظام كل عام.
وتنتهج استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة في قطر نهجاً قريباً، إذ تنظّم الأجندة حول سبع نتائج وطنية استراتيجية، من النمو الاقتصادي المستدام إلى التميّز الحكومي، لكلٍّ منها مستهدفاتها لعام 2030. وصياغة الأولويات بوصفها نتائج لا برامج تفرض سؤالاً مفيداً: إذا لم تتحرك هذه النتيجة، فما المبادرات القليلة الأكثر أهمية، ومن سيقرّر تغييرها؟
ما الذي ينبغي أن تفعله وحدة الإنجاز فعلاً؟
ينبغي أن تساعد وحدة الإنجاز عدداً محدوداً من الأولويات على التقدم أسرع، بحلّ المشكلات العابرة للجهات، لا بأن تصبح طبقة إضافية من التقارير.
وتصنّف أبحاث مدرسة بلافاتنيك للحكومة واللجنة الدولية لتمويل فرص التعليم وظائف مناهج الإنجاز في خمس فئات: تحديد الأولويات والمستهدفات، والمتابعة والقياس، وتوظيف الرعاية السياسية، والمساءلة والحوافز، وحلّ المشكلات. ويميّز البحث ذاته بين مسارين: أحدهما يعتمد أساساً على المساءلة والحوافز لرفع مستوى الجهد، والآخر يعتمد على التعلّم المؤسسي والتنسيق وحلّ المشكلات. ومعظم وحدات الإنجاز في الواقع تجمع بين المسارين.
ويقرّ الباحثون بصراحة بأن الأدلة الدقيقة على ما يجعل مناهج الإنجاز فعّالة لا تزال محدودة، لا سيما خارج عدد قليل من الحالات المعروفة. وهذا داعٍ إلى التواضع في التصميم. فوحدة الإنجاز المنقولة من بلد آخر دون مواءمتها مع الاختصاصات المحلية وثقافة العمل تميل إلى أن تصبح مكتباً للتقارير. أما الوحدة المصمَّمة لإزالة العوائق، بوصول مباشر إلى القيادة وصلاحية جمع الوزارات، فتميل إلى أن تثبت جدارتها.
كيف تقيس الحكومات النتائج لا الأنشطة؟
ينبغي أن تتابع الحكومات سلسلة قصيرة تمتد من النشاط إلى المُخرَج إلى النتيجة، وأن تُسند كل نتيجة إلى مالك محدد بالاسم يُساءَل عنها.
تزخر معظم أنظمة الأداء بمؤشرات الأنشطة (ورش عُقدت، وأنظمة أُطلقت، ولوائح صدرت)، لأنها سهلة العدّ وسريعة التحوّل إلى اللون الأخضر. أما النتائج، كرضا المتعاملين عن الخدمات أو الإنتاجية أو التوظيف في القطاع الخاص، فتتحرك ببطء أكبر وتعتمد على عدة جهات في آن واحد. وتضع الاستراتيجية القطرية مستهدفات من هذا النوع، منها رضا عن الخدمات الحكومية يتجاوز 85%، والوصول إلى أعلى 10% في مؤشر فعالية الحكومة. وهذه هي المستهدفات الصحيحة، لكنها لا يمكن أن تتحقق على يد وزارة واحدة.
والاختبار الحقيقي لنظام القياس الجيد هو: هل يؤدي المؤشر الأحمر إلى قرار خلال أسابيع؟ فإن كان لا يؤدي إلا إلى تفسير أفضل في التقرير التالي، فالنظام يقيس الأنشطة، أياً كانت التسميات.
من المسؤول حين تمتد النتيجة عبر عدة وزارات؟
ينبغي أن يكون لكل نتيجة عابرة للجهات مالك واحد محدد بالاسم يُساءَل عنها، وأن ترتبط الجهات المساهمة به بالتزامات صريحة لا بحسن النية.
والاستراتيجية القطرية واضحة في هذا الشأن، إذ تلتزم بتعزيز الوظائف المركزية للتخطيط والميزانية وصنع السياسات من خلال الحد من تداخل الاختصاصات وضمان توزيع واضح للمساءلة الوظيفية عبر الحكومة، وبإنشاء أنظمة مركزية لمتابعة أداء الخدمات الحكومية. وتداخل الاختصاصات هو السبب الأكثر شيوعاً لانحراف النتائج العابرة للجهات: كل جهة مساءَلة عن جزئها، ولا أحد مساءَل عن الكل.
ويجب أن تصمد المساءلة أمام التغيير كذلك. فرؤية البحرين الاقتصادية 2030، التي أُطلقت في عام 2008 على مبادئ الاستدامة والتنافسية والعدالة، تجاوزت عمراً كثيراً من التغييرات التنظيمية. والاستراتيجيات بعيدة المدى تحتاج إلى مساءلة مبنية في الأدوار والإجراءات، لا مرهونة ببقاء أشخاص بعينهم في مناصبهم.
ما دور القدرات المؤسسية في الإنجاز؟
القدرات هي ما يحوّل منظومة الإنجاز من تمرين في المتابعة إلى أداة لحلّ المشكلات، ويجب أن توجد في المركز وداخل الجهات المنفّذة معاً.
يحتاج المركز إلى كفاءات قادرة على تحليل أولوية متعثرة، وجمع المسؤولين المعنيين، والتوصل إلى قرار. وتحتاج الجهات المنفّذة إلى مديري برامج ومالكي بيانات وقيادات تشغيلية قادرة على التصرف بناءً على ما يتوصل إليه المركز. فإذا اقتصرت القدرات على المركز، انتهى به الأمر إلى أداء العمل بنفسه. وإذا اقتصرت على الوزارات، لم يربط أحدٌ أجزاء العمل ببعضها. وقد تناولنا مسألة وثيقة الصلة، هي كيف تسبق البرامجُ التقنية جاهزيةَ المؤسسات، في مقال لماذا تعيد حكومات الخليج التفكير في التحول الرقمي.
كيف تبدو منظومة الإنجاز الفعّالة؟
تقوم منظومة الإنجاز الفعّالة على خمسة عناصر مترابطة نسمّيها “العمود الفقري للإنجاز” من DBU. وحين ننظر في كيفية إنجاز استراتيجية وطنية، نختبر كلاً منها. فإذا غاب أحدها، حمّلت العناصر الأخرى ما لا تطيق.
| العنصر | السؤال الذي يجيب عنه | كيف يبدو حين يكون سليماً |
|---|---|---|
| 1. الأولويات | ما الذي ستتابعه القيادة بنفسها؟ | قائمة قصيرة من النتائج الوطنية، منفصلة عن محفظة المبادرات الأوسع |
| 2. المالكون | من يُساءَل عن كل نتيجة؟ | مالك واحد محدد بالاسم لكل نتيجة، مع التزام مكتوب من الجهات المساهمة |
| 3. الإيقاع | كم مرة تُتخذ القرارات بناءً على التقدم؟ | مراجعات قصيرة ومنتظمة تنتهي بقرارات لا بعروض تقديمية |
| 4. التنسيق | كيف يُحسم تداخل الاختصاصات؟ | اتفاقات صريحة بين الجهات، ومسار للتصعيد السريع |
| 5. القدرات | من يستطيع حلّ المشكلات لا رصدها فقط؟ | مهارات الإنجاز في المركز وفي كل جهة منفّذة |
ما الذي ينبغي أن يفعله القادة خلال التسعين يوماً المقبلة؟
- حدّدوا الأولويات القليلة الحاسمة. اتفقوا مع القيادة على القائمة القصيرة من النتائج التي ستتابعها بنفسها، وافصلوها عن بقية المحفظة.
- عيّنوا مالكاً واحداً لكل نتيجة. سمّوا لكل أولوية مسؤولاً واحداً مساءَلاً، وحدّدوا الجهات التي يعتمد على إسهامها.
- اختبروا مؤشراتكم. تحققوا لكل أولوية مما إذا كانت المؤشرات تقيس النتائج أم الأنشطة، وما إذا كانت نتيجة حمراء قد أدّت يوماً إلى قرار.
- ارسموا خريطة تداخل الاختصاصات. حدّدوا المواضع التي تتشارك فيها جهتان أو أكثر المسؤولية عن النتيجة ذاتها، واتفقوا على الجهة القائدة.
- أعيدوا ضبط إيقاع المراجعة. استبدلوا تقارير التقدم المطوّلة بمراجعات قصيرة ومنتظمة تنتهي بقرارات وإجراءات محددة المسؤول.
- قيّموا قدرات الإنجاز. حدّدوا أين توجد مهارات حلّ المشكلات وأين تغيب، في المركز وفي الجهات المنفّذة.
ماذا يعني ذلك لحكومات الخليج؟
رفعت الاستراتيجيات الوطنية في الخليج سقف الطموح عالياً. وسيُحكم على العقد المقبل بالإنجاز: هل تظهر النتائج الموعودة في الرؤى بعيدة المدى في التجربة اليومية للمواطنين والمقيمين وقطاع الأعمال؟ وفي DBU، نتناول هذا العمل من خلال تخصصَي الحكومة والقطاع العام، والحوكمة والتنفيذ، إلى جانب الاستراتيجية، لأن الإنجاز هو حيث تُختبر الاستراتيجية.
إن كانت مؤسستكم تراجع طريقة إنجاز إحدى الأولويات الوطنية، فإن أحد شركاء DBU يرحّب بالحديث معكم.









